خبر
’جسر عبر الزمن‘ من ’جيجر-لوكولتر‘ (Jaeger-LeCoultre)
’جسر عبر الزمن‘ من ’جيجر-لوكولتر‘ (Jaeger-LeCoultre)
ترجمة وتحرير: كارلا كلداوي
في عام 2026، يحتفل التصوير الفوتوغرافي بمرور 200 عام على نشأته، لكنه في الوقت نفسه يواجه أحد أكثر الأسئلة الوجودية في تاريخه: ماذا يحدث عندما يصبح توليد الصورة سهلاً بقدر التقاطها؟ هذا الحوار بين التقليد والابتكار يُشكّل جوهر التعاون الإقليمي الجديد الذي أطلقته دار ’جيجر-لوكولتر‘ ضمن برنامجها الراقي ’ما أبدَعته يدُ الصانع‘ (Made of Makers )، المُستوحى من معالم دبي الهندسية، والذي يجمع بين المصوّر الإماراتي ’حسين الموسوي‘ والفنانة الرقمية السعودية ’منى القويز‘، في رحلة فنية تتخطى حدود الزمن والتقنية.
تحت عنوان ’جسر عبر الزمن‘، تتألف السلسلة من خمس تركيبات (أعمال فنية) غامرة، تبدأ بتصوير ’حسين الموسوي‘ الوثائقي – لقطات من الهندسة المعمارية الحقيقية والزخارف والتفاصيل الحضرية – لتتسع بعد ذلك إلى بيئات تخيّلية مشكّلة عبر ممارسة ’منى القويز‘ الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. الهدف ليس استبدال التصوير الفوتوغرافي، بل توسيعه إلى شكل أكثر بُعداً وطبقات وتجربة: نهجٌ يصفه الفنّانان بـ “التصوير الغامر”، حيث تصبح الصورة فضاءً يُسبر أغواره، وتجربة تتجاوز مجرد المشاهدة.
بالنسبة لـ’ماثيو لو فوايه‘، المدير الإقليمي لدار ’جيجر-لوكولتر‘، يعكس المشروع تماماً رسالة برنامج ’ما أبدَعته يدُ الصانع‘: بناء “جسور بين الفنون وصناعة الساعات”، ودعوة المُبدعين الذين “استكشفوا فنهم بطرق غير تقليدية”. ويقدّم ’جسر عبر الزمن‘ كتأمل مُعاصر في حرفية كلاسيكية، مُشيراً إلى أن التعاون انطلق من تساؤل تحفيزي: كيف يتحوّل التصوير الفوتوغرافي عندما يتلاشى الحد الفاصل بين الواقع والخلق؟”.
يتجسّد هذا التساؤل في التعاون نفسه. يتمتع ’حسين الموسوي‘ بأكثر من عقدين من الخبرة في التصميم والتصوير والصحافة البصرية، مع اهتمام مُستمر بإعادة اكتشاف المشهد العمراني في الإمارات العربية المُتحدة وتوثيق الهندسة المعمارية الحديثة التي غالباً ما تغيب عن أفق الانتباه. أما ’منى القويز‘، فهي مُهندسة تعمل عند تقاطع الذكاء الاصطناعي والتراث الثقافي والتصميم الاستشرافي، مُعيدة تخيّل البيئات المألوفة في سرديات مُستقبلية، مع التأكيد على أن الرموز الثقافية تبقى واضحة وقابلة للفهم، لا مجرد عناصر جمالية.
ويشرح ’لو فوايه‘ قائلاً: “مشروعنا الرمضاني يستكشف التصوير الفوتوغرافي في عصر الذكاء الاصطناعي”، موضحاً دور ’حسين الموسوي‘ في التقاط “الرموز والتوقيعات والنماذج التي تحدّد هوية وثقافة العالم العربي”، بينما تُضيف ’منى القويز‘ “عيناً لإعادة ابتكار المستقبل”. ويشير في الوقت ذاته إلى أن التعاون يستند إلى فهم واضح للطاقة الكامنة في الأداة نفسها: “الذكاء الاصطناعي لا يخلق من العدم… بل يستوحي مما تعلمه ويعيد تكوين الصور”.
إذا كانت نقطة انطلاق ’حسين الموسوي‘ هي المدينة بوصفها أرشيفاً حياً، فإن منابعه الأولى – وربما الأكثر إدهاشاً – تنبع من العالم الطبيعي. يقول ’الموسوي‘: “البداية لم تكن في الواقع معمارية بقدر ما كانت زمنية… تعود إلى التاريخ الطبيعي”. ومن بين الركائز المفاهيمية الأساسية للمشروع يبرز الحجر المرجاني، المُستخدم تاريخياً في العمارة الساحلية. ويوضح ’الموسوي‘: “بيوت الحجر المرجاني، أو جدران المرجان… كانت في يوم ما تغمرها مياه البحر. لذا كان عليّ أن أعود خطوة إلى الوراء في الزمن، وأحاول تخيّل منطقتنا قبل الهندسة المعمارية”، مُتتبعاً الخط الذي يمتد من المادة الخام إلى ما يتحوّل لاحقاً إلى “الهندسة المعمارية التقليدية”.
من هناك، يتبع ’الموسوي‘ منطق الضوء – رمز ذو صدى خاص في رمضان، حيث يتلمّس إيقاع اليوم بحساسية فائقة. يقول: “قبل أن أتخيّل أي بناء، كان جزء كبير من العملية يتمحور حول تصور الضوء، وكيف يتغير عبر النهار، وكيف صُمّمت المباني لتوزيع الضوء أو عكسه”. هذا التفكير لم يشكّل الصور فحسب، بل شكّل أيضاً عملية اختيار المواقع نفسها. وعند سؤاله عن كيفية اختيار المواقع النهائية، يقدم ’الموسوي‘ مبدأً واحداً مُنظماً: التنوع – في الأنماط المعمارية، والأجواء، والطريقة التي تحمل بها الهياكل الضوء. ويُضيف: “تخيلوا الصور الخمس… واحدة عند شروق الشمس… وأخرى عند منتصف النهار… وهكذا… تطوّر الضوء عبر اليوم هو ما أرشد عملنا”.
أما مهمة ’منى القويز‘، فتكمن في إسقاط هذه المراسي الفوتوغرافية إلى عوالم مُستقبلية تبدو رحبة، من دون أن تفقد جذورها الثقافية. بالنسبة إليها، يكون الخط الفاصل بين إعادة التخيّل والإفراط في التغيير بسيطاً: “الحد هو النية”، تقول. “إذا بدأ العمل بشرح التراث بدل أن يستمع إليه… فهذا يعني أنه تجاوز الحد”. وبدلاً من ذلك، تهدف إلى الحفاظ على وضوح الهندسة المعمارية الأصلية في كل الأوقات، بحيث يتعرّف المُشاهد على “روح المكان فوراً، حتى وإن بدا المحيط مُستقبلياً”. وتقترح ’القويز‘ أن أفضل إعادة تخيّل يجب أن تشعر كأنها “همسة… تتقدم إلى الأمام”.
تتجلّى هذه الفلسفة بأقصى درجات الدقة في عمل ’الجدار المُرجاني‘، الذي تعتبره ’منى القويز‘ أصعب القطع في السلسلة. وتقول: “إنه عمل شديد الرقة… مليء بالتفاصيل والدقة… دقيق للغاية على المستوى الجزئي”، مُشيرةً إلى تعقيد دمج التفاصيل المعمارية الدقيقة في بيئة تتنقل بين عوالم تحت الماء وفوقه.
يتناول المشروع أيضاً القلق الشائع حول الذكاء الاصطناعي وحقوق التأليف بشكل مباشر. وتؤكد ’القويز‘ قائلة: “الذكاء الاصطناعي لا يبتكر المعنى، البشر هم من يفعلون ذلك. الذكاء الاصطناعي… يشبه وسيطاً، مثل الضوء أو الحجر”. في ’جسر عبر الزمن‘، ترى ’القويز‘ أن التأليف مُشترك – ” لكنه يبقى أصيلاً غير منقوص”: “’حسين‘ يمنح العمل بصمته البصرية عبر الصور، وأنا أقدّم البُنية السردية، والذكاء الاصطناعي مجرد أداة”.
ويؤكد ’حسين الموسوي‘ على الفكرة عينها، مُعترفاً بالجدل الدائر حول الأصالة، لكنه يقدّم هذا التعاون كنموذج للوضوح الإبداعي والموافقة المُتبادلة. ويشير إلى أن الانزعاج الأخلاقي غالباً ما ينشأ “عندما يُستغل العمل من قِبل أحدهم دون أن يُطلب إذنه”، بينما هنا، “نحن بصراحة نجري حواراً مفتوحاً”. وبالنسبة إليه، لا يُعد الذكاء الاصطناعي اختصاراً للعمل، بل عدسة يمكنها “توسيع آفاقي الإبداعية… لتوسيع ممارستي الفنية الخاصة”.
تُعرض الأعمال الخمسة إلى جانب مجموعة مُختارة من ساعات’ريفيرسو‘
تُعرض تركيبات (الأعمال الفنية) ’جسر عبر الزمن‘ في ساحة ند الشبا، وهي مُصمّمة كرحلة مُنسّقة تعرض الأعمال الخمسة إلى جانب مجموعة مُختارة من ساعات’ريفيرسو‘. سيكون العرض مُتاحاً للجمهور بعد موعد الإفطار ابتداءً من 5 مارس، ويستمر حتى عيد الفطر في دبي، داعياً الزوار لتجربة الفصل القادم من التصوير الفوتوغرافي، ليس كمناقشة فحسب، بل كمكان يمكن أن تخطو داخله وتغمر حواسك فيه.
Jaeger-LeCoultre