مقال مرجعي

خلف الكواليس في ’بوفيه‘ (Bovet)

تكشف زيارة إلى مصنع ’بوفيه‘ عن عالمٍ صغير الحجم من حيث المساحة، لكنه غنيٌّ على نحوٍ استثنائي من حيث الشمول - مُتكامل العناصر، نابض بالحرفة، ومُتقَن في كل تفصيلة من تفاصيله.

مقال مرجعي

خلف الكواليس في ’بوفيه‘ (Bovet)

للمشاركة

 

ترجمة وتحرير: كارلا كلداوي

 

يُمثّل اسم ’بوفيه‘ رمزاً للتراث العريق والهيبة التاريخية في عالم صناعة الساعات الرفيعة. فقد تأسست الدار عام 1822 على يد ’إدوار بوفيه‘، ابن مدينة فلورييه، والذي كان يقيم آنذاك في كانتون (غوانغجو حالياً) في الصين، بينما تولّى شقيقاه إدارة الأنشطة التجارية من لندن، والإشراف على الإنتاج من فلورييه. هذا التنظيم الثلاثي الفريد منح ’بوفيه‘ موقعاً استراتيجياً مُتقدماً لخدمة السوق الصينية، التي كانت في ذلك الوقت شديدة الثراء والتعقيد من الناحية اللوجستية. خلال القرن التاسع عشر، تنامى الطلب في الصين على الساعات الأوروبية ذات المعايير الدقيقة، وقد تميّزت دار ’بوفيه‘ منذ بداياتها بتقديم ساعات فاخرة مزخرفة ببذخ، صُمِّمت خصيصاً لتلبية الذوق الرفيع للأوساط الصينية الراقية. وسرعان ما تحوّلت هذه القطع إلى رموز للمكانة والهيبة داخل أوساط البلاط الإمبراطوري ونخبة التجار.

 

ساعات الجيب التاريخية من ’بوفيه‘ المُصمّمة للسوق الصينية: واحدة بغطاء مزخرف بصورة وميناء مطلي بالمينا، والأخرى مزودة بميناء 24 ساعة متوافق مع النظام الصيني للساعات المزدوجة الـ12 المُحددة بالحيوانات الفلكية.

 

غير أنّ مسيرة الدار بدأت في التراجع تدريجياً عقب سقوط سلالة ’تشينغ‘ عام 1911، وهو الحدث الذي أنهى وجود البلاط الإمبراطوري وأربك الشبكات التجارية التي دعمت تجارة ’بوفيه‘ الموجّهة إلى الصين لما يقارب قرناً من الزمن. وبحلول منتصف القرن العشرين، اندمجت العلامة التجارية ضمن مجموعة ’فافر – لوبا‘، لتُسدل الستارة على الفصل الأول من التاريخ المجيد لدار ’بوفيه‘.

عام 2001، بدأ الفصل المعاصر في تاريخ ’بوفيه‘، حين استحوذ ’باسكال رافي‘ – رجل الأعمال وأحد كبار عشّاق دار ’بوفيه‘ – على العلامة التجارية، وأعاد توجيه مسارها نحو ما هي عليه اليوم. ومنذ ذلك الحين، تميّزت الساعات التي رأت النور بثراء زخرفي أخّاذ في آليات الحركة والعلب الحاضنة، يستحضر روح القرن التاسع عشر، إلى جانب بنى ميكانيكية غير تقليدية، ومقاربات جريئة ومتطوّرة للتعقيدات الرفيعة في العديد من الإصدارات. هذا التزاوج غير المألوف يُثير بطبيعته فضولاً مشروعاً حول البيئة والعمليات التي تقف خلفه. لذلك، حين سنحت الفرصة لقضاء وقت داخل مصنع ’بوفيه‘ في تراميلان، وفي مقرّها الرئيسي بقصر ’شاتو دو موتييه‘، لم أتردّد لحظة في اغتنامها. وكانت ردود فعل أصدقاء صنّاع الساعات مُثيرة للاهتمام – أقرب إلى الغيرة الصريحة منها إلى مجرد الاهتمام المهذّب – مما يعكس بوضوح المكانة الاستثنائية التي تحتلها دار ’بوفيه‘.

 

يقع مصنع ’بوفيه‘ في تراملان، وهو منشأة مُتكاملة وصغيرة الحجم حيث يتم إنتاج آليات الحركة والمكونات، بما في ذلك العلب الحاضنة والموانئ وحتى النوابض الشعرية.

 

عقب استحواذه على الدار، شرع ’باسكال رافي‘ في انتهاج استراتيجية التكامل العمودي، بهدف ضمان الاستقلالية الكاملة في إنتاج آليات الحركة. وفي عام 2006، استحوذ على مجموعة من الورش المُتخصّصة في صناعة التوربيون، وتطوير العيارات، وصناعة النوابض الشعرية، وأعمال الختم، وذلك تحت اسم ’ديمييه 1738‘ التاريخي في تراميلان، الواقعة في منطقة جورا البرنية السويسرية.

اليوم، يُعدّ مصنع ’بوفيه‘ المكان الذي تتجلّى فيه الساعات عملياً. إنها منشأة صغيرة الحجم، لكنها استثنائية في اكتمالها. هنا تُصمّم آليات الحركة، وتُصنع المكوّنات، وتُنفّذ الزخارف، وتُجمّع العيارات بأكملها قبل أن تُنقل إلى قصر ’شاتو دو موتييه‘ لوضعها في العلب الحاضنة وإجراء الاختبارات النهائية. تنتِج ’بوفيه‘ نحو ألف ساعة سنوياً، ويعمل في المصنع حوالي 55 موظفاً موزّعين على مهام متنوّعة – رقم يوضح مدى صغر حجم المنشأة مقابل مهاراتها العالية والدقيقة.

في قلب المصنع يقع المكتب التقني، حيث تنبثق المشاريع الجديدة من خلال حوار مستمر ومباشر مع السيد ’باسكال رافي‘، الذي يتواجد يومياً في المصنع في مكتب مجاور. تتولّد الأفكار من رؤيته، ويكمن دور المهندسين في ابتكار الوسائل اللازمة لتحقيقها، لا في تحديد مدى إمكانية تنفيذها من الأصل. من النادر أن يقود مالك، بلا تدريب رسمي في صناعة الساعات أو الهندسة، تطوير المُنتجات بهذه الطريقة، والأندر منه أن تُفضي هذه العملية إلى مجموعة كبيرة من براءات الاختراع المُسجّلة باسمه. فالمصنع كبير بما يكفي لدعم مشاريع متعددة بالتوازي، وصغير بما يكفي ليتيح له المشاركة العملية والمباشرة في كل منها.

  

غرفة التشغيل الآلي

كانت أولى محطات جولتنا غرفة التشغيل الآلي، حيث يُنجز العمل الأقل رومانسية لكنه بالغ الأهمية – صناعة المكوّنات التي قد لا تلفت الأنظار، لكنها تمثل الركيزة التي يقوم عليها كل شيء آخر. يعبق المكان بصفوف من آلات CNC (التحكم العددي بالحاسوب)، كل منها مُصمّم لأداء دور مُحدّد بدقة مُتناهية.

تُقصّ الصفائح الرئيسية والجسور على مراكز تشغيل ذات خمسة أو سبعة محاور. بحسب تعقيد القطعة، قد تستغرق مرحلة الإعداد بضع ساعات لأعمال مُتكرّرة، أو عدة أيام إذا كان المُخطط جديداً. ويجب أن تأخذ البرمجة في الحسبان العديد من المُتغيرات: اختلاف حجم التفاصيل، سماكة الأجزاء وصلابتها، كل ذلك يستلزم ضبط السرعات، والتغذية، وزوايا الأدوات، وتسلسل القطع بعناية فائقة. بعض العلاقات تحكمها قواعد واضحة: الأدوات الصغيرة تدور بسرعات أعلى، والكبيرة بسرعات أبطأ، لكن تطبيق هذه القواعد عملياً نادراً ما يكون بسيطاً. تفرض عوامل مثل تآكل الأدوات، نوعية السطح، الاهتزاز، توليد الحرارة، وصلابة القطعة حدوداً لا تستطيع أي صيغة رياضية احتواؤها بالكامل. الفيزياء الكامنة وراء العملية تجعل من التشغيل الآلي علماً دقيقاً، أما إدراك مدى دفع هذه الحدود دون المساس بجودة القطعة، فهنا يتحوّل العلم إلى فن حقيقي. يُكرّس الوقت لضمان أن كل ثقب، وكل مقعد، وكل سطح ينتهي في موقعه المثالي، بدلاً من الاستعجال في الإعداد وإنتاج قطع قد تعجز عن التجمع أو العمل بشكل صحيح أبداً.

 

صينية تحتوي على مكونّات آلية حركة فردية توضح مدى اتساع وتعقيد الإنتاج الداخلي لدى ’بوفيه‘.

 

من الناحية العملية، تُشبه غرفة التشغيل الآلي تلك الموجودة في أي دار ساعات أخرى، وإن كان على نطاق مُتواضع.
إحدى السمات المُميّزة هي أن ’بوفيه‘ تُعدّ من القلائل الذين يصنّعون موانئهم داخلياً. فالألواح الأولية تُقص في نفس الطابق، ثم تُنقش خطوط الغيوشيه باستخدام آلة CNC ذات خمسة محاور، تتيح للأداة الحفاظ على عمق واتساق مُستمرين عبر السطح، حتى عند تنفيذ النقوش المُعقّدة. وعند اكتمال النقش، يُطبق الطلاء على الميناء، قبل إجراء العمليات النهائية، والتي تقتصر على قص الفتحات والثقوب بدقة متناهية.

بجانب ذلك، تقوم مخرطة CNC ذات الرأس المُنزلق بتنفيذ شكل المكوّنات صغيرة القطر مثل الأعمدة، والتروس، والمحاور الرئيسية للميزان من قضبان معدنية. ومن خلال تمرير المادة عبر غمد توجيهي والحفاظ على نقطة القطع قريبة من الدعم، توفر هذه الماكينات التماثل والدقة المُتكرّرة التي تتطلبها مثل هذه الأجزاء الدقيقة.

 

مخرطة CNC مزودة برأس متحرك تُستخدم لصنع قطع دقيقة جداً ورفيعة للغاية.

يتقدم خط المواد عبر غطاء توجيهي بينما يتحرك غراب الرأس بشكل طولي، مما يحافظ على دعم نقطة القطع بشكل صلب وثابت.

 

كانت هناك أيضاً آلات النحت الكهربائي، تلك التحف التقنية التي تزيل المادة دون أي تماس مباشر، مُستعينة بتفريغات كهربائية مضبوطة تنحت قطعة العمل بدقة مُتناهية وفق مسار مُبرمج بعناية. يلجأ الحرفيون إلى هذه التقنية في اللحظات التي تعجز فيها الأدوات التقليدية عن أداء مهمتها – الزوايا الداخلية العميقة، الفتحات فائقة الرقة، الخطوط الحساسة، أو المكوّنات التي قد تتشوه تحت ضغط القوى الميكانيكية. وبحسب سماكة وتعقيد القطعة، قد يستغرق العمل على آلة التفريغ الكهربائي من ساعة واحدة إلى معظم اليوم، مع مرور دقيق على عدة عمليات قطع تمهيدية لضمان الدقة الباهرة وجودة الحواف التي ترقى إلى أعلى مستويات الكمال.

بعد ذلك، دخلنا غرفة صغيرة تُخصّص لعمليات التشطيب الدقيق. على أحد جانبي الغرفة، كانت تدور اسطوانات تلميع محملة بوسائط سيراميكية كاشطة تحتوي على النحاس. تُعد هذه الطريقة واحدة من أكثر الأساليب شيوعاً لإزالة الحُرَف المعدنية غير المرغوبة عن قطع المعدن بكميات كبيرة، حيث تضمن نتائج مُتناسقة مع الحد الأدنى من التدخل اليدوي. في هذا الأسلوب، تُوضع القطع المعدنية الصغيرة داخل الاسطوانة الدوارة، ومع دورانها، تحتك الوسائط الكاشطة بالقطع باستمرار، لتُزيل النتوءات الناتجة عن عمليات التصنيع باستخدام آلات  CNC، ومنحها لمسة نهائية ناعمة ومثالية.

في نفس الغرفة، تُعالج قطع النحاس الخام على آلة جلخ وتسوية أفقية مزودة بصفيحة دوّارة. تُثبت القطع على الصفيحة تحت ضغط مضبوط، فيما تقوم الوسائط الكاشطة بإزالة المادة بشكل متساوٍ عبر السطح. تُتيح هذه الآلة تصحيح مُستوى الاستواء عبر عدة قطع في آن واحد، منتجةً قطعاً مُسطّحة وموّحدة قبل أن تنتقل إلى مرحلة التصنيع باستخدام آلات CNC.

 

ورشة الختم المعدنية

كان أبرز ما في الجولة بلا شك ورشة الختم المعدنية. تختلف الآلات هنا بشكل واضح عن تلك الموجودة في غرفة التصنيع التي تهيمن عليها آلات  CNC. فعملية ختم الصفائح المعدنية نفسها هي تقنية إنتاج تقليدية أصبحت نادرة بشكل مُتزايد اليوم، بعد أن حلت آلات CNC محلّها في الغالب. يكمن السر في أن كل التعقيد تقريباً يتركّز في الأدوات نفسها لا في الآلة. فكل قطعة مُختمَة تتطلب مجموعة أدوات مُخصّصة تتألف من عنصرين مُتطابقين بدقة: القالب والمثقاب.

 

صفائح معدنية مُختمَة، تظهر المرحلة الوسيطة الخام التي تُقطع منها العديد من مكوّنات آليات الحركة.

 

كان ’تيري فايفر‘، صانع القوالب المُتمرس الذي يعمل في الورشة منذ أكثر من 35 عاماً، حاضراً ليعرض ويشرح عملية صناعة وتجميع مجموعة القالب والمثقاب. الحرفة هنا يدوية إلى أبعد حد، وعند مشاهدتها عن كثب، يتضح كم هي تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً. القالب هو صفيحة فولاذية صلبة يتم فيها قطع الشكل السلبي للعنصر، بينما يحمّل المثقاب، المصنوع من نفس المادة، الشكل الإيجابي المطابق. تُصنع هذه الأدوات عبر عمليات دقيقة من التشغيل الميكانيكي، والتجهيز، والتعديل المُتكرّر باستخدام مثاقب وآليات طحن خاصة، بدلاً من الاعتماد على عمليات CNC المؤتمتة.

 

’تيري فايفر‘، صانع القوالب المُتمرس

 

أثناء العملية، يدفع المثقاب الصفائح المعدنية عبر القالب، ليقطع المادة وفق الشكل المطلوب بدقة مُتناهية. يمكن للمكابس أن تعمل بسرعات تصل إلى300  قطعة في الدقيقة. في عملية الختم ذات الضربة الواحدة، يكتمل القطع أو الثقب أو التشكيل البسيط في ضربة مكبس واحدة. أما في الطباعة التقدمية مُتعدّدة المراحل، فتُقسم العملية على سلسلة من الخطوات المُتتابعة، غالباً بما في ذلك مراحل ثني أو تشكيل وسيطة، ما يسمح بإنتاج قطع أكثر تعقيداً وثلاثية الأبعاد، مُتقنة الشكل، وكأنها وُلدت من صبر ودقة الحرفي.

تصميم وصناعة مجموعة القالب والمثقاب يتطلب مستوى عالٍ من المهارة وساعات طويلة من العمل اليدوي الدقيق. فهي تحتاج إلى فهم واسع للزوايا والقوى، وخصائص التزييت والاحتكاك، والضغط وسلوك المادة، بالإضافة إلى الصبر الذي لا ينضب. التحدي الأساسي يكمن في ضمان أن كل قطعة تُنتج عند تشغيل المكبس بسرعة عالية تكون مُتطابقة من الأولى إلى الأخيرة، دون أي انحراف أو تباين مع مرور الوقت. قد يتم تجميع القالب والمثقاب، وفكهما، وشحذهما، وضبطهما، واختباره عشرات المرات قبل أن يعملان بالشكل المطلوب. بعد الختم، تُخضع القطع لمعالجة حرارية في الفرن لتثبيت المادة بعد التشكيل عالي السرعة. وما زالت ورشة الطباعة تنتج قطعاً مطبوعة لعلامات تجارية راسخة، بما في ذلك عدة أسماء كبيرة، حتى بعد أن أصبحت جزءاً من مجموعة ’بوفيه‘. وبعيداً عن صناعة الساعات، تُوظَّف نفس الخبرة الدقيقة في صناعة الميكانيكا الصغيرة لإنتاج مكوّنات دقيقة للصناعات التقنية الخارجية، بما في ذلك المجالات الطبية والطيران والكهرباء والهندسة المُتخصّصة.

 

عملية ختم الصفائح المعدنية أثناء العمل، حيث تقوم القوالب الصلبة بقطع العديد من مكوّنات آلية الحركة من قضبان المعدن.

 

توجد غرفة مُخصّصة لآلات تسنين التروّس بالترس الحلزوني.  بعد تجهيز القطع الأساسية للتروّس، تُقطع الأسنان بواسطة طريقة التوليد. تدور أداة القطع، أو الترس الحلزوني، مُتشابكةً مع القطعة بينما تدور كلاهما في حركة ثابتة ومُتزامنة، مولدةً تدريجياً شكل السن بدقة مُتناهية. بعد ذلك، تنتقل القطع إلى مراحل إزالة الحُرَف، والتشطيب، والفحص الدقيق لضمان الكمال المطلق لكل سن.

 

ورشة عمل النابض الشعري

في زاوية من المصنع تقع ورشة عمل النابض الشعري، حيث تبرز براعة ’بوفيه‘ الاستثنائية كواحدة من الشركات القليلة التي تصنع نوابضها الخاصة. تبدأ العملية بسلك معدني مُتخصّص يُقدَّم على شكل خيوط ُملتفة على بكرات كبيرة. في هذه المرحلة، يكون السلك سميكاً نسبياً، بقطر يقارب0.6  ملم، ولا يشبه الزنبرك الشعري بشكله النهائي. تبدأ الخطوة الأولى بتقليص القطر عبر عملية سحب السلك. يُسحب السلك عبر قوالب سحب مصنوعة من الألماس الطبيعي، حيث تقل أقطاره تدريجياً بينما يزداد طوله. تتكرّر هذه العملية عدة مرات، مع فحوصات وسيطة دقيقة، حتى يصل السلك إلى قطره النهائي، الذي يبلغ عادة حوالي0.06  ملم، مع الحفاظ على تحكم دقيق في مستوى التحمّل يصل إلى ±0.001  ملم.

 

’بوفيه‘ هي واحدة من الشركات القليلة التي تُنتج النوابض الشعرية وعجلات التوازن داخلياً، مما يتيح تطوير مجموعة واسعة من تصميمات الموازين والنوابض، وربطها وضبطها داخلياً.

 

بمجرد الوصول إلى القطر الصحيح، يُسفل السلك ويُقطع إلى أطوال دقيقة. تُجهَّز هذه الشرائط بعد ذلك لعملية اللفّ. توضع عدة شرائط من نوابض شعرية معاً داخل حلقة تثبيت تحافظ على شكلها وتسمح بمعالجة عدة لفائف في الوقت نفسه. وفي هذا الوضع المقيد، تخضع اللفائف للمعالجة الحرارية، وهي عملية حاسمة تعمل على تثبيت خصائص السبائك، وضبط المرونة، وتثبيت الشكل الحلزوني للزنبرك بشكل دائم.

بعد المعالجة الحرارية، تُرفع اللفائف من حلقة التثبيت وتُفصل عن بعضها البعض، لتصبح نوابض شعرية جرداء، جاهزة للمرحلة التالية. تُقص الأطراف الداخلية لكل لفة لتكوين الفتحة المركزية التي تسمح بتركيب الزنبرك بشكل مُتحد المركز. ثم يُركّب الطوق على الطرف الداخلي لكل زنبرك لتثبيته بدقة على محور التوازن.

 

النوابض الشعرية المشكلة حديثاً بعد المعالجة الحرارية والتشكيل، نتيجة السحب واللف والتثبيت الحراري الذي يتم داخلياً قبل عملية الربط النهائية، وضبطها، وتنظيمها.

 

بعد ذلك، يُقص الطرف الخارجي للزنبرك الشعري لتحديد الطول الفعّال، الذي يُحدّد عادة بعدد اللفات وزاوية الطرف. يلي ذلك تشكيل الانحناء الطرفي الخارجي، وهي خطوة دقيقة للغاية تحدّد كيفية تنفس الزنبرك بشكل مُتحد المركز. لا تزال هذه العملية حساسة جداً وغالباً ما تُنجز بتدخّل يدوي وضبط دقيق، حيث يتطلب الأمر لمسة حرفي ماهر.

في المرحلة النهائية، يُركب الزنبرك على عجلة الميزان، ويتم تنظيم مجموعة الزنبرك والعجلة بعناية فائقة. وبعد اكتمال كل هذه الخطوات، يصبح الزنبرك الشعري عضواً مُنظماً فعّالاً، جاهزاً ليؤدي وظيفته الدقيقة داخل آلية الحركة.

بعد ذلك، توجّهنا إلى غرفة المُعالجة الباردة، حيث يتم تشطيب المكوّنات عبر التلميع بالأسطوانة، وهي عملية تُحسّن التفاعل بين المحاور ومحامل ارتكازها، بينما تقلل من التآكل الناتج عن الاحتكاك. يُعالج بهذه الطريقة محاور التوازن، وقضبان العزل، ومحاور السقّاطة. تعمل هذه العملية على معالجة المحاور والكتف البارد، مما يحسن الدقة البُعدية ويزيد صلابة السطح.

 

قسم التشطيب

يغطي قسم التشطيب في ’بوفيه‘ كامل طيف التقنيات الحرفية، بما في ذلك النقش اللؤلؤي، والزوايا المشطوفة، والتلميع الأسود، والتزيين بخطوط دقيقة. أما النقش اليدوي الحر، فهو الحرفة التي اشتهرت بها ’بوفيه‘ عالمياً. تضم الورشة ثلاثة حرفيين، لكل منهم أسلوبه الشخصي الفريد، ما يجعل حتى الساعات من نفس المرجع مُختلفة تماماً عن بعضها البعض.

 

التلميع اليدوي المُسبق لمكوّن آلية الحركة باستخدام أداة دوارة يدوية منخفضة السرعة، لتحسين الأسطح والتجاويف الداخلية قبل عملية التشطيب اليدوي النهائي.

 

يحتل النقش الزهري مكانة خاصة في تراث ’بوفيه‘ الزخرفي. إنه شكل مُتطوّر للغاية من النقش اليدوي، يتميّز بأنماط زهرية ومُنحنيات مُتدفقة مُستوحاة من الأعمدة الرومانية القديمة والتقاليد الزخرفية لمنطقة فلوريه. يُنجز العمل بالكامل يدوياً، دون قوالب أو آلات، ويتطلّب أعلى درجات المهارة والتركيز اللامتناهي وساعات طويلة من العمل بالإزميل لاقتطاع كميات ميكروسكوبية من المعدن، وتحقيق تصميم غني بالتفاصيل، متوازن، ينسجم تماماً عبر العلب الحاضنة، والأقواس، وجسور آلية الحركة.

 

النقش الزهري المنفذ يدوياً على جزء من علبة حاضنة ذهبية، حيث يتم قطع الزخرفة الزهرية المتعرجة مباشرة في المعدن باستخدام أدوات النقش التقليدية.

 

يُمارس هنا أيضاً النقش بطريقة الترجرج، المُستخدمة لإضفاء سطح دقيق الملمس ولامع على المعدن. ورغم أن التأثير قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، إلا أن التقنية تتطلب دقة مُتناهية. باستخدام الإزميل – أداة نقش دقيقة مصنوعة من الفولاذ المقوى – يقوم النحّات بقطع حقل كثيف من الشقوق الدقيقة على السطح. تبدو العلامات مُنفردة غير مُنتظمة، لكنها موضوعة بعناية فائقة، مع التحكم الدقيق في العمق والمسافات، بحيث تتفاعل لتخلق تبايناً رائعاً وملمساً ينبض بالحياة.

كما شاهدنا أيضاً مُعالجة الموانئ بعد النقش. تُطبَّق الأرقام والحروف باستخدام الطباعة الصفيحية، وهي عملية حساسة تتأثر بدرجة الحرارة والرطوبة. في كل طباعة، يقوم الحرفي يدوياً بملء التجاويف في الصفيحة المنقوشة بالحبر، ثم يمسح الفائض بعناية. تلتقط صفيحة من السيليكون الصورة، قبل أن يتم وضع الميناء أو جزء منه يدوياً تحت الصفيحة لإتمام النقل بدقة مُتناهية.

 

لمحة عامة عن مدى اتساع صناعة الموانئ الداخلية لدى ’بوفيه‘.

 

تُجرى عمليات مراقبة الجودة داخل كل قسم على حدة، ثم يتم إعادة فحصها بواسطة فريق مراقبة الجودة المركزي، الذي يجمع المكوّنات النهائية ضمن مجموعاتها الخاصة. تُرسل هذه المجموعات بعد ذلك إلى غرفة التجميع، حيث يتم تركيب كل آلية حركة من ’بوفيه‘، سواء كانت بسيطة أم مُعقّدة، بالكامل من البداية إلى النهاية بواسطة صانع ساعات واحد فقط. تتطلب آلية حركة ساعة ’ريسيتال 28 برويس 1‘، بنظامها المُعقّد من البكرات، ما يقارب شهراً كاملاً من التجميع، وهو ما يعادل أي تعقيد فخم تقليدي. بعد الانتهاء من التجميع، تُرسل آليات الحركة إلى ’شاتو دو موتييه‘، حيث تتم عملية التركيب النهائي في العلبة الحاضنة، والتنظيم الدقيق، والاختبارات الشاملة، قبل أن تُصبح الساعات جاهزة لتسليمها للعملاء.

 

يحتوي أرضية طابق التجميع على نظام تهوية عالي الضغط يحافظ على ضغط هواء إيجابي، مما يضمن طرد الغبار عبر الأرضية.

اثنتان من أبرز إبداعات ’بوفيه‘، ’ريسيتال 22 غراند ريسيتال‘ و’ريسيتال 28 برويس 1‘. (الصورة ©ريفولوشن)

شاتو دو موتييه

يقع ’شاتو دو موتييه‘، القلعة التاريخية، في وادي فال-دو-ترافير ، على بُعد نحو ساعة بالسيارة من تراميلان. شُيِّدت القلعة في أوائل القرن الرابع عشر على يد ’رودولف الرابع‘، ’كونت نوشاتيل‘، وانتقلت ملكيتها لاحقاً إلى أسرة ’بوفيه‘ عام 1835 عندما اشترى ’هنري-فرانسوا دوبوا-بوفيه‘ القلعة، قبل أن يتبرّع بها أحفاده لـ ’كانتون نوشاتيل‘ عام 1957. بعد نحو نصف قرن، استحوذ السيد ’رافي‘ على القلعة لتصبح مجدداً المقر الرئيسي لشركة ’بوفيه‘، ويُعيد إحياء إرثها التاريخي في قلب صناعة الساعات الفاخرة.

 

’شاتو دو موتييه‘

 

تتألف القلعة من جزئين. يضم الجناح السكني الأقدم المكتب الخاص للسيد ’رافي‘، بالإضافة إلى صالون عرض رسمي يطل على وادي فال-دو-ترافير، ويشكل مكاناً فخماً لاستقبال هواة الجمع، مُحاطاً بمجموعة مُنتقاة بعناية من ساعات الجيب وساعات المعصم التاريخية من ’بوفيه‘، ما يخلق حواراً راقياً بين الحرفة الحديثة وتراثها العريق. مرتبط بهذا الجناح برج القلعة الحجري المربع المهيب، ’تور دو دييس‘، وهو معلم بارز شكل جزءاً من مشهد الوادي لعدة قرون ويثبت موقع القلعة في جذورها القرون الوسطى. كان البرج في الأصل يضم زنزانة القلعة، وما زال طابقه السفلي يحتفظ بزنزانة محُصّنة محفوظة بعناية.

ويقابل هذا الجناح المبنى العملي الرئيسي، الذي يضم المكاتب الإدارية لشركة ’بوفيه‘ ضمن مساحة واسعة ذات تصميم مفتوح. يجمع الداخل بين الأخشاب المكشوفة والجدران البيضاء، وتتخلله وثائق فوتوغرافية تسرد محطات مفصلية من تاريخ ’بوفيه‘ الحديث وأبرز إبداعاتها في صناعة الساعات. أما آليات الحركة التي تصل إلى المكاتب، فتنقل إلى الطابق العلوي عبر مصعد خاص.

يقود درج أنيق إلى الطابق العلوي، حيث تتم عمليات تركيب آليات الحركة داخل العلب الحاضنة وإجراء مراقبة الجودة النهائية. في زاوية المشغل، يمتد صف من النوافذ الطويلة مُتعدّدة الألواح، يسمح بدخول وفير لضوء النهار إلى عمق مساحة العمل، كما تطل الغرفة من جهة على فلورييه، ومن الجهة الأخرى على موتييه. جُهزت الورشة بنظام تهوئة عالي الضغط يحافظ على ضغط هواء إيجابي، ما يضمن طرد الغبار إلى الأسفل عبر الأرضية – وهو شرط أساسي في هذه المرحلة الحساسة من الإنتاج، حيث تُركّب آليات الحركة المُكتملة داخل علبها وتُخضع لاختبارات نهائية دقيقة قبل أن تُعلن جاهزيتها التامة.

تخضع الساعات بعد ذلك لسلسلة من الاختبارات المُتنوّعة بحسب طبيعتها، تشمل مقاومة تسرّب الماء، ومقاومة الصدمات، وسلامة الأداء العام، بالإضافة إلى احتياطي الطاقة. ونظراً لاعتماد ’بوفيه‘ على أوقات تشغيل طويلة تمتد من خمسة إلى اثنين وعشرين يوماً، تُوضع الساعات تحت المراقبة طوال فترة احتياطي الطاقة كاملةً لضمان ثبات الأداء قبل التسليم، وهو ما يفسّر جزئياً فترات الانتظار الطويلة التي تميّز العلامة. تتم مُراقبة الجودة بشكل مُتكرّر في هذه المرحلة؛ إذ تُفحص آليات الحركة، والعلب الحاضنة، والأحجار الكريمة، وحتى كل ماسة على حدة، قطعةً قطعة، لا على شكل دفعات. ويتولى نفس المشغل أيضاً أعمال خدمة ما بعد البيع، حيث تُفحص الساعات المُعادة وتُصلَّح في هذا المكان نفسه، مما يعزّز دوره كنقطة العبور الأخيرة قبل أن تصل ساعة ’بوفيه‘ إلى مالكها.

 

’شاتو دو موتييه‘، القلعة الأسطورية لشركة ’بوفيه‘، هي المحور المركزي لعمليات التجميع وفحص الجودة النهائي.

 

ولأسباب بديهية – كونها قلعة – جاءت الزيارة مُختلفة عن أي تجربة أخرى. ثمَة إحساس لا يمكن تجاهله بالرهبة والمهابة عند مشاهدة المراحل الأخيرة من صناعة الساعات الحديثة تُنجز داخل مبنى يسبق تاريخُه ظهور ساعة المعصم نفسها بقرون. هذا الإطار التاريخي يضفي وزناً ومعنى إضافيين على عمليات تتطلب أصلاً قدَراً هائلاً من الصبر والعناية واحترام الزمن.

وعند النظر إلى منظومة ’بوفيه‘ كاملة، تتكشف تجربة فريدة بحق. فهي تحتل مساحة دقيقة بين الحرفي والصناعي – واسعة بما يكفي لدعم هندسة مُعقّدة، ومُدمجة بما يسمح بالحفاظ على ممارسات لا تزال تعتمد جوهرياً على المهارة اليدوية والحكم الإنساني. وتعكس هذه المقاربة إصرار ’باسكال رافي‘ على الاحتفاظ بالتحكم الكامل في انتقال الأفكار من مرحلة التصوّر إلى التنفيذ، دون أن يعاد تشكيلها بفعل قيود خارجية. والأهم من ذلك، أنه على عكس بعض دور التصنيع المُتكاملة رأسياً حيث تبدو فكرة التكامل أحياناً شكلية، فإن القدرات الداخلية لدى ’بوفيه‘ مُفعّلة بالكامل. أما الساعات الناتجة – ببذخها الزخرفي وجرأتها الميكانيكية – فلا يمكن أن تكون أكثر تعبيراً عن هذه الفلسفة.

 

Brands:
Bovet

Tags:
Bovet

مقترحات إضافية

ساعة ’نافيتايمر ب19 كرونوغراف 43 بربتشوال كالندر‘: ’بريتلينغ‘ (Breitling) تخلّد الزمن

مقال مرجعي

ساعة ’نافيتايمر ب19 كرونوغراف 43 بربتشوال كالندر‘: ’بريتلينغ‘ (Breitling) تخلّد الزمن

19 مارس, 2026

كتابة وتحرير Joy Tully

ساعة ’نافيتايمر ب19 كرونوغراف 43 بربتشوال كالندر‘: ’بريتلينغ‘ (Breitling) تخلّد الزمن

مقال مرجعي

ساعة ’نافيتايمر ب19 كرونوغراف 43 بربتشوال كالندر‘: ’بريتلينغ‘ (Breitling) تخلّد الزمن

19 مارس, 2026

كتابة وتحرير Joy Tully

’كوسك‘ السويسرية تُطلق معيار ’الكرونومتر المُمتاز‘ الجديد للدقة

مقال مرجعي

’كوسك‘ السويسرية تُطلق معيار ’الكرونومتر المُمتاز‘ الجديد للدقة

16 فبراير, 2026

كتابة وتحرير أسرة ريفولوشن

’كوسك‘ السويسرية تُطلق معيار ’الكرونومتر المُمتاز‘ الجديد للدقة

مقال مرجعي

’كوسك‘ السويسرية تُطلق معيار ’الكرونومتر المُمتاز‘ الجديد للدقة

16 فبراير, 2026

كتابة وتحرير أسرة ريفولوشن

’فريدريك كونستانت‘ (Frederique Constant) ترتقي بفن صناعة الساعات من خلال تقويمها الدائم الجديد

مقال مرجعي

’فريدريك كونستانت‘ (Frederique Constant) ترتقي بفن صناعة الساعات من خلال تقويمها الدائم الجديد

8 أكتوبر, 2025

كتابة وتحرير أسرة ريفولوشن

’فريدريك كونستانت‘ (Frederique Constant) ترتقي بفن صناعة الساعات من خلال تقويمها الدائم الجديد

مقال مرجعي

’فريدريك كونستانت‘ (Frederique Constant) ترتقي بفن صناعة الساعات من خلال تقويمها الدائم الجديد

8 أكتوبر, 2025

كتابة وتحرير أسرة ريفولوشن

هندسة الزمن في عالم السماء والأرض

مقال مرجعي

هندسة الزمن في عالم السماء والأرض

26 سبتمبر, 2025

كتابة وتحرير Cheryl Chia

هندسة الزمن في عالم السماء والأرض

مقال مرجعي

هندسة الزمن في عالم السماء والأرض

26 سبتمبر, 2025

كتابة وتحرير Cheryl Chia

ساعة (Hublot ) ’هوبلو بيغ بانغ‘ في عامها العشرين: كيف غيّرت “المُتمرّدة” قواعد صناعة الساعات إلى الأبد

مقال مرجعي

ساعة (Hublot ) ’هوبلو بيغ بانغ‘ في عامها العشرين: كيف غيّرت “المُتمرّدة” قواعد صناعة الساعات إلى الأبد

4 سبتمبر, 2025

كتابة وتحرير Tracey Llewellyn

ساعة (Hublot ) ’هوبلو بيغ بانغ‘ في عامها العشرين: كيف غيّرت “المُتمرّدة” قواعد صناعة الساعات إلى الأبد

مقال مرجعي

ساعة (Hublot ) ’هوبلو بيغ بانغ‘ في عامها العشرين: كيف غيّرت “المُتمرّدة” قواعد صناعة الساعات إلى الأبد

4 سبتمبر, 2025

كتابة وتحرير Tracey Llewellyn

للملوك والحالمين

مقال مرجعي

للملوك والحالمين

4 سبتمبر, 2025

كتابة وتحرير أسرة ريفولوشن

للملوك والحالمين

مقال مرجعي

للملوك والحالمين

4 سبتمبر, 2025

كتابة وتحرير أسرة ريفولوشن